مركز الثقافة والمعارف القرآنية
131
علوم القرآن عند المفسرين
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ « 1 » وقوله تعالى : يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا « 2 » أي يقولون في أنفسهم كما هو الاسرع انسياقا إلى الذهن ، والآيات في ذلك كثيرة . ومن الأحاديث ما رواه الطبراني عن أم سلمة أنّها سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد سأله رجل فقال : « إني لأحدث نفسي بالشئ لو تكلّمت به لأحبطت أجرى فقال لا يلقّى ذلك الكلام إلا مؤمن » فسمى صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك الشيء المحدّث به كلاما مع أنه كلمات ذهنية . والأصل في الاطلاق الحقيقة ولا صارف عنها . وقوله تعالى في الحديث القدسي « أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ، فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » الحديث . وفيه دليل على أن للعبد كلاما نفسيا بالمعنيين ، وللرب أيضا كلاما نفسيا كذلك ولكن اين التراب من رب الأرباب ؟ فالمعنى الأول للحق تعالى شأنه صفة أزلية منافية للآفة الباطنية التي هي بمنزلة الخرس في التكلم الانساني اللفظي ، ليس من جنس الحروف والالفاظ أصلا ، وهي واحدة بالذات تتعدّد تعلّقاتها بحسب تعدد المتكلم به ، وحاصل الحديث من تعلق تكلمه بذكر اسمى تعلق تكلمي بذكر اسمه ، والتعلق من الأمور النسبية الّتى لا يضر تجددها ، وحدوث المتعلق انما يلزم في التعلق التنجيزى ولا ننكره ، واما التعلق المعنوي التقديري ومتعلقه فأزليان ، ومنه ينكشف وجه صحة نسبة السكوت عن أشياء رحمة غير نسيان كما في الحديث ، إذ معناه أنّ تكلّمه الأزلي لم يتعلّق ببيانها مع تحقق اتصافه أزلا بالتكلم النفسي ، وعدم هذا التعلق الخاص لا يستدعى انتفاء الكلام الأزلي كما لا يخفى . والمعنى الثاني له تعالى شأنه كلمات غيبية وهي ألفاظ حكمية مجردة عن المواد مطلقا نسبية كانت أو خيالية أو روحانية ، وتلك الكلمات أزلية مترتبة من غير تعاقب في الوضع الغيبي العلمي لا في الزمان إذ لا زمان ، والتعاقب بين الأشياء من توابع كونها زمانية ويقرّبه من بعض الوجوه وقوع البصر على سطور الصفحة المشتملة على كلمات مرتبة في الوضع الكتابي دفعة مع كونها مترتبة لا تعاقب في ظهورها ، فجميع معلومات اللّه الذي هو نور السماوات والأرض مكشوفة له أزلا ، كما هي مكشوفة له فيما لا يزال ، ثم تلك
--> ( 1 ) سورة الأعراف : الآية 205 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 154 .